ممثلون عن الجالية الإسلامية ورؤساء المساجد في فرنسا: رمضان فرصة لتعزيز القيم الإنسانية والخيرية والتطوع

عربي ودولي
48
باريس – قنا
أكد عدد من ممثلي الجالية الإسلامية ورؤساء المساجد والجمعيات الخيرية في فرنسا أن شهر رمضان المبارك يتيح للجالية المسلمة بفرنسا إظهار التضامن وفعل الخير وتعزيز قيم التطوع والتدين والتسامح.
وأوضحوا، في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية ” قنا”، أن الشهر الفضيل مناسبة حميدة للمساجد والجمعيات الخيرية لتكثيف الأنشطة والأعمال التطوعية، وتقديم المساعدات الاجتماعية للجالية الإسلامية.
ونوهوا بالإقبال اللافت من شباب الجالية المسلمة في فرنسا على المساجد وصلاة التراويح والتعمق في الدين والعادات وتراث آبائهم وأجدادهم.
فمن جانبه، أوضح الشيخ حسن بالمجذوب، رئيس جمعية السلام ورئيس المجلس الإقليمي للديانة الإسلامية في بوردو، أن مسجد السلام والمركز الإسلامي ببوردو يمثلان قلب الحياة الدينية والثقافية للجالية المسلمة في إقليم جيروند، منطقة نوفيل أكيتين جنوب غربي فرنسا، حيث يضم الإقليم 16 مسجدا وجمعية تحت إشراف المجلس الإقليمي.
وأشار إلى أن مسجد السلام تأسس عام 2006، وينتمي لجمعية مسلمي ميرناك، ويحتفل هذا العام بمرور 20 سنة على تأسيسه، وقد بني على مساحة 4000 متر مربع موزعة على ثلاثة طوابق وفق هندسة عربية إسلامية، فيما تمت مؤخرا إضافة مساحة مماثلة لتلبية الاحتياجات المتزايدة للمصلين والزوار خاصة في الشهر الفضيل.
وأضاف أن قاعة الصلاة الرئيسية في المسجد تعد الأكبر من نوعها في الإقليم، حيث تتسع لحوالي 3000 مصل، وهو ما يعكس الاهتمام بتوفير بيئة مريحة لممارسة الشعائر الدينية، خصوصا خلال شهر رمضان الذي يشهد إقبالا كبيرا، لا سيما في العشر الأواخر وصلاة التراويح.
وأوضح الشيخ بالمجذوب أن الأنشطة التعليمية والثقافية في المسجد والمركز الإسلامي تتنوع لتشمل مدرسة لتعليم اللغة العربية في ثمانية فصول تستقبل حوالي 600 طالب، إلى جانب معهد للدراسات الإسلامية للناطقين بالفرنسية، حيث يتم تقديم برامج مكثفة في الحديث والفقه والشريعة الإسلامية لمدة ثلاث سنوات، وهو ما يساهم في تكوين أجيال جديدة من العلماء والأئمة المتخصصين.
وأضاف أن الأنشطة الرمضانية للمسجد تتسم بالتنوع والشمولية، حيث يتم تنظيم الدروس الفقهية يوميا بعد صلاة الظهر والعصر، إضافة إلى تقديم الاستشارات والتوجيهات الدينية قبل صلاة العشاء، مع استقدام نخبة من الفقهاء والأئمة من عدة دول عربية لإثراء المحتوى العلمي والديني خلال الشهر الفضيل، وتتوج هذه الجهود في العشر الأواخر بتكريم المتفوقين من حفظة القرآن الكريم والسنة النبوية ومنحهم الجوائز والشهادات.
وبخصوص الأنشطة الخيرية والاجتماعية، أكد الشيخ بالمجذوب أن المسجد يولي اهتماما بالغا بتقديم الدعم للفئات المحتاجة، من خلال توزيع ” قفة رمضان” يوميا على الفقراء والطلاب والمشردين والمساجين، حيث يتراوح عدد القفف بين 300 و400 قفة يوميا، إضافة إلى تنظيم موائد إفطار أسبوعية وجماعية تستفيد منها أعداد كبيرة من الطلبة وعابري السبيل والمحتاجين، وهو ما يعكس التزام المسجد بمبدأ التكافل الاجتماعي وتعزيز روح التعاون بين أفراد المجتمع، كما يحرص المسجد على توزيع زكاة الفطر على مستحقيها من المحتاجين والأيتام والعائلات المعوزة وأصحاب الهمم، وفق قوائم دقيقة تعد قبل نهاية الشهر.
وأشار الشيخ بالمجذوب، في معرض تصريحاته الخاصة لوكالة الأنباء القطرية ” قنا “، إلى أن المسجد لا يقتصر دوره على الجانب المحلي فحسب، بل يسعى أيضا لتعزيز الحوار الديني والثقافي، حيث ينظم إفطارات جماعية للمسؤولين الفرنسيين وممثلي مختلف الديانات في الإقليم، بما يتيح فرصا للتبادل الثقافي وتعريف المجتمع بالقيم الإنسانية الكبرى للإسلام.
كما لفت إلى أن من أبرز المبادرات الاجتماعية السنوية، “المسيرة البيضاء” التي ينظمها المجلس الإقليمي للديانة الإسلامية بمشاركة نحو 2000 شخص من مختلف الديانات والثقافات، في رسالة واضحة للتسامح والتعاون والتعايش السلمي.
وشدد على أن هناك ظاهرة لافتة بدأت بعد فيروس كورونا وهي عودة الناس وأبناء الجالية المسلمة للدين الإسلامي، وإقبالهم الكبير على مختلف المساجد في الإقليم، وكذلك اعتناق الكثير من الفرنسيين للدين الإسلامي، خاصة في شهر رمضان المعظم.
وختم الشيخ حسن بالمجذوب تصريحاته لـ” قنا” بالإشارة إلى أن مسجد السلام يشهد في العشر الأواخر من رمضان وفي ليلة القدر وصلاة العيد حضورا غير مسبوق يتجاوز 10 آلاف مصل كل ليلة، وهو ما يعكس تعلق الجالية العربية والإسلامية في فرنسا بدينها وتمسكها بالقيم الروحية والاجتماعية لشهر رمضان المبارك.
بدوره، أكد محمد هنيش المسؤول عن مسجد بانتان الكبير ورئيس اتحاد المساجد والجمعيات الإسلامية في إقليم سين سان دوني بباريس، أن شهر رمضان يشكل محطة مركزية تتكثف خلالها المبادرات الدينية والإنسانية والاجتماعية، التي تستهدف خدمة الجالية المسلمة وتعزيز حضورها الإيجابي داخل المجتمع الفرنسي.
وأوضح هنيش في تصريحات مماثلة لـ” قنا” أن أنشطة الاتحاد خلال الشهر الفضيل تشمل تنظيم موائد إفطار داخل المساجد، إلى جانب إعداد وجبات جاهزة توزع على الراغبين في تناول الإفطار بمنازلهم أو مع أطفالهم، فضلا عن توزيع التمر والحليب والماء على المصلين يوميا.
وأشار أيضا إلى تنظيم إفطارات “خاصة” يدعى إليها ممثلو السلطات المحلية وقادة الديانات الأخرى، في خطوة تهدف إلى إبراز القيم الأخلاقية والسلوك الحضاري للمسلمين خلال رمضان.
وقال هنيش: “مثل معظم المساجد في فرنسا، يغير مسجد بانتان الكبير تنظيمه بشكل جذري خلال شهر رمضان، إذ خلال العام يفتح المسجد أبوابه قبل 15 دقيقة من الصلاة ويغلق بعد 15 دقيقة من انتهاء الصلاة، ولكن خلال شهر رمضان، يظل المسجد مفتوحا طوال اليوم، ويمثل النشاط الخيري الرئيسي خلال الشهر الفضيل الإفطار الجماعي في المسجد، حيث يفطر عدد كبير من صائمين يوميا بالمسجد، ويتطلب ذلك فريقا من المتطوعين لإدارة التنظيم والخدمات، وميزانية كبيرة، كما تشمل المساعدات الخيرية “قفة رمضان” التي تنتفع بها أكثر من 120 عائلة”.
وأشار إلى أنه خلال الأيام العشرة الأواخر من الشهر، يقوم الاتحاد بإحصاء العائلات المحتاجة تمهيدا لتوزيع زكاة الفطر التي تجمع داخل المساجد، وفق معايير دقيقة تضمن وصولها إلى مستحقيها، حيث يستفيد من هذه الزكاة حوالي 600 عائلة.
كما أكد حرص مسجد بانتان في يوم عيد الفطر، على إدخال الفرحة إلى قلوب الأطفال عبر اقتناء ألعاب توزع عليهم أثناء قدومهم مع ذويهم لأداء صلاة العيد، وهي مبادرة تأتي ضمن سلسلة الأنشطة الخيرية والإنسانية التي ينفذها المسجد والاتحاد طوال الشهر الفضيل لتعزيز قيم التكافل والتضامن داخل المجتمع.
وأضاف محمد هنيش، المسؤول عن مسجد بانتان الكبير ورئيس اتحاد المساجد والجمعيات الإسلامية في إقليم سين سان دوني بباريس، أن الاتحاد الذي يضم أكثر من 100 مسجد في إقليم سين سان دوني، يضع برنامجا دينيا متكاملا يشمل الخطب والدروس الفقهية والمحاضرات التوعوية، إضافة إلى تنظيم الصلوات الخمس وصلاة التراويح والتهجد خلال العشر الأواخر.
ولفت إلى أن الإقليم يضم، حسب الإحصاءات الرسمية لعام 2025، حوالي 1.7 مليون نسمة، من بينهم مليون مسلم، وهو ما يشكل في نظره تحديا وفرصة في آن واحد لتكثيف العمل التطوعي الخيري، كما نوه بأن 80 في المئة من تمويل المساجد على مدار العام يأتي من تبرعات شهر رمضان، ما يعكس حجم الثقة التي تحظى بها هذه المؤسسات ودورها المحوري في خدمة المجتمع.
وشدد رئيس اتحاد المساجد والجمعيات الإسلامية في إقليم سين سان دوني بباريس، على أن الاتحاد خصص في الفترة الأخيرة عدة أمسيات لجمع التبرعات لصالح الشعوب العربية الإسلامية المتضررة، لا سيما في فلسطين والسودان وبعض دول إفريقيا، حيث تحول هذه الأموال إلى منظمات إنسانية تعنى بتقديم المساعدات وحفر الآبار وبناء المدارس.
وأضاف هنيش أن جهود الدعم تضاعفت منذ اندلاع الحرب في غزة، بالتعاون مع جمعيات فاعلة ميدانيا في فلسطين، بهدف تقديم المساعدات العاجلة وتخفيف معاناة السكان.
وختم تصريحاته لـ” قنا ” بالتأكيد على أن ميزانية هذه الأنشطة الرمضانية تصل إلى نحو نصف مليون يورو طيلة الشهر الفضيل، وهو ما يبرز حجم المسؤولية الملقاة على عاتق اتحاد المساجد والجمعيات الإسلامية في إقليم سين سان دوني بباريس، ودوره البارز في ترسيخ قيم التكافل والتضامن.
من ناحيته، أوضح خالد بلخضير، المسؤول عن المسجد الكبير “السلام” في مدينة كاربنتراس جنوب شرق فرنسا، ضمن إقليم فوكلوز (84) الذي يعد جزءا من منطقة بروفانس-ألب-كوت دازور، ورئيس المجلس الإقليمي للعبادة الإسلامية، أن شهر رمضان المبارك يمثل ذروة النشاط الروحي والاجتماعي للمسجد، حيث تتزايد فيه كافة الفعاليات الدينية والثقافية والخيرية على مدار الشهر، ويزداد الإقبال على المسجد بشكل ملحوظ، لا سيما في العشر الأواخر وصلاة التراويح التي تشهد حضورا منقطع النظير من المصلين.
وأشار بلخضير في تصريح لـ” قنا” إلى أن المسجد الذي يمتد على مساحة واسعة تبلغ حوالي 1700 متر مربع ويضم طابقين، يسعى إلى توفير بيئة مناسبة لممارسة الشعائر الدينية بشكل مريح، إذ تتسع قاعة الصلاة لقرابة 1500 مصل، وتتيح هذه السعة استقبال أعداد كبيرة من المصلين في الأوقات المزدحمة خلال رمضان.
وأضاف أن الهدف الأساسي من هذه السعة والتهيئة هو خلق جو من الروحانية والانضباط الديني، يعكس التزام المجتمع المسلم بالقيم الروحية والاجتماعية للإسلام.
وأوضح بلخضير أن الأنشطة الدينية والثقافية تتنوع بين الدروس الفقهية والشرعية، والاستشارات الدينية التي يقدمها الإمام قبل صلاة العشاء، فضلا عن برامج تكوين الأئمة الجدد، التي تهدف إلى صقل مهاراتهم في قيادة الصلاة وإدارة النشاط الديني في المجتمع، كما يحرص المسجد على تنظيم مسابقات وجوائز في حفظ القرآن الكريم والسنة النبوية وتعاليم الشريعة الإسلامية، وتختتم هذه الفعاليات وتوزع الجوائز في ليلة القدر، لتكون ذروة الاحتفاء بالعلم والمعرفة خلال الشهر الفضيل.
أما من الجانب الخيري والاجتماعي، فأكد بلخضير أن المسجد يولي اهتماما كبيرا بالفئات المحتاجة، حيث يتم خلال رمضان توزيع ” قفة رمضان” على العائلات المعوزة، بالإضافة إلى توفير المساعدات الغذائية والمادية للمشردين وعابري السبيل والطلبة، وكذلك توزيع الزكاة على المحتاجين في عيد الفطر، كما يتم توسيع نطاق الدعم ليشمل بعض السجون في المنطقة؛ بهدف إدخال الفرح والسكينة على السجناء خلال الشهر الكريم.
وأشار بلخضير إلى أن المسجد ينظم أيضا موائد إفطار جماعية يشارك فيها الصائمون، مع الحرص على توجيه جزء من الجهود لمستفيدين لا يستطيعون حضور المسجد بأنفسهم، لضمان شمولية العمل الخيري.
وأكد أن هذه الجهود تعكس التزام المسجد بالقيم الإنسانية العليا في الإسلام، وتساهم في تعزيز التكافل الاجتماعي وروح التعاون بين أفراد المجتمع المسلم والمحيطين به.
وختم بلخضير تصريحاته لـ” قنا” بالتأكيد على أن شهر رمضان يمثل فرصة استثنائية لتكثيف الأعمال الخيرية والدينية، وأن المسجد يسعى من خلال هذه المبادرات إلى تعميق الروابط مع الجالية المحلية، وتعريف المجتمع بقيم الإسلام السمحة، من خلال أنشطة تجمع بين العبادة، والتعلم، والعمل الخيري، بما يجعل رمضان مناسبة للاحتفاء بالروحانية والعطاء على حد سواء.
جدير بالذكر أن آخر الإحصائيات والتقديرات لسنة 2025 تشير إلى وجود 2670 مسجدا في فرنسا، منها 462 مسجدا في باريس وضواحيها، بينما تظهر أرقام المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية “سي إف سي إم” (CFCM)، لسنة 2024، أنه ينشط نحو 460 إمام بمساجد فرنسا، يضاف إليهم الأئمة الزائرون الذين يستقدمون خصيصا في المناسبات الدينية الإسلامية، خاصة في شهر رمضان المبارك.
وتقدر آخر الأرقام والتقديرات الديموغرافية أن حوالي 5.7 إلى 6.7 مليون مسلم يعيشون في فرنسا عام 2025، أي ما يعادل تقريبا 8 إلى 10 بالمئة من إجمالي السكان.
مساحة إعلانية




